محمد بن المنور الميهني

177

أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد

دعاه الشيخ للجلوس ، فجلس . وأخذ الدراويش وجميع أهل المجلس ينظرون إليه في ذهول . وعندما أنهى الشيخ المجلس قال : ينبغي أن يغتسل . فقادوا يحيى إلى شاطئ النهر ليغتسل ، وأمر الشيخ بإحضار ثوب ليلبسه ، وأقام لدى الشيخ ثلاثة أيام . وكان يجلس بين يديه كل يوم ، والشيخ ينظر إليه أثناء الحديث ، ويقول كلاما آخر ، ويحيى يقوم بتحيته . وفي اليوم الرابع نهض وقال للشيخ : أيها الشيخ إنني أفكر في المسير ، يعنى الحج ، فقال له الشيخ : على بركة اللّه ، أبلغ سلامنا لتلك الحضرة . فحيا الشيخ ، ومضى وهو يتراجع إلى الخلف ، حتى لم يعد يرى الشيخ ، فاستقام في السير . وأشار الشيخ للجميع ولأبنائه أن يخرجوا لوداعه ، ففعلوا . وقال السيد أبو بكر المؤدب الذي كان يؤدب أبناء الشيخ ، لقد قال لي الشيخ : اصحب الأبناء ، واجتهد أن تسير معه وتنال تلك السعادة . فأسرعت ولحقت به ، وسرت معه ، وكنت آخر من ودعه ، ثم رجعت . وفي السنة التالية في نفس الفصل ، وفي نفس الموعد ، قال الشيخ أثناء المجلس : انهضوا واستقبلوا يحيانا . فخرج السيد أبو طاهر مع الجميع إلى البوابة للاستقبال ، فرأوا يحيى آتيا ، وعلى كتفه نفس القربة والكوز . وعندما رأى أبناء الشيخ حياهم ، وجعل يحيى حتى مثل بين يدي الشيخ . وكان الشيخ على منبره فوق الدكان ، فقبل يد الشيخ ، وقبل الشيخ رأسه . ولما جلس قال الشيخ : يا يحيى ، لا يمكن التخلي عن فتوح تلك الحضرة ، فحدث الجماعة عنها ، وأفدهم . فرفع يحيى رأسه وقال ( ص 166 ) أيها الشيخ : لقد ذهبنا وسمعنا ورأينا ووجدنا ولم يكن الحبيب هناك . فصرخ الشيخ وقال : قل هذا مرة أخرى ، ففعل . وصرخ الشيخ ثانية ، وقال : قل مرة أخرى ، فقال يحيى مرة ثالثة . فصرخ الشيخ ثم التفت إلى الجماعة وقال : ليس هناك صدق أعظم من صدق